The Muslims of South Sudan… and the Search for the Lost Rights

مسلمو جنوب السودان.. والبحث عن الحقوق الضائعة الثلاثاء 30 ربيع الأول 1431 الموافق 16 مارس 2010
رضا عبد الودود

يأتي انعقاد مؤتمر “جوبا” الذي انطلق الثلاثاء 3/3/2010 في الجنوب السوداني لمناقشة مستقبل أوضاع المسلمين بجنوب السودان بعد الاستفتاء على تقرير المصير المقرَّر العام 2011، في وقت بالغ الصعوبة قُبيْل شهر من أول انتخابات تعددية يشهدها السودان في إبريل المقبل.
ويذهب كثير من المراقبين إلى توصيف المؤتمر بأنه مجرد ورقة للابتزاز السياسي، يحاول الجنوبيون تطمين مسلمي الجنوب على مصيرهم الغامض بعد الانفصال، بينما تسعى حكومة الخرطوم لحشد تأييدٍ في أوساط الجنوبيين لتعزيز الوحدة ووقف مسلسل الانفصال والذي يقرُب من نهايته بعد عام من الآن.
وفي الوقت الذي لا يزال المسلمون بجنوب السودان يكابدون عناء ضياع ممتلكاتهم التي استولت عليها الحركة الشعبية منذ عقود، بجانب التضييقات الدينية، وإغلاق مساجدهم وضياع حقوقهم بالإدارات الحكومية، والتي أدمنت مماطلتهم، بالإضافة لمحاولات قسْريَّة لتهجيرهم إلى الشمال لتفريغ الجنوب من الوجود الإسلامي.
في هذا الوقت -وعلى عكس الواقع المَعِيش- تناقلت الصحف السودانية والإفريقية والغربية تأكيدات رئيس حكومة الجنوب سلفاكير ميارديت -خلال افتتاح مؤتمر جوبا عاصمة الجنوب 3/3/2010- ضمان الحرية الدينية وكفالة الحقوق المنصوص عليها في اتفاقية السلام، مما يمثل إشارة إلى أن الحركة الشعبية قد حسمت خياراتها نحو الانفصال.
وبعيدًا عن تفاعلات الساحة السودانية ملتهبة الأجواء مع الانتخابات الشاملة في إبريل القادم والدعوات التي تتصدر العراك الانتخابي كدعوة الزعيم الجنوبي ياسر عرمان بانسحاب البشير من المنافسة وتسليم زمام الأمور للحركة الشعبية لتقود دفة الأمور، وغيرها من (التهريج) -على حد وصف قيادات حزب المؤتمر الحاكم- والمراهقات السياسية التي يحركها المتربصون بالسودان الموحد، فقد انزعج كثير من المراقبين بتلك التطمينات التي أطلقها القادة الجنوبيون بمؤتمر جوبا، والتي تحمل كثيرًا من التكهنات، وتصطدم مع الواقع المعيش للمسلمين بالجنوب رغم أنهم أغلبية، الأمر الذي يستدعي استحضار بعض تفصيلات واقع المسلمين الذين بعيشون في ولايات الجنوب؛ حيث يُمنع رفع الآذان في كثير من المساجد التي حوّلت لخمَّارات؛ آخرها مسجد رمبيك، بل يكاد يختلف قادة الجنوب في كل الأمور، إلا أنهم يتوحَّدون تحت شعار واحد مفادُه (السودان الجديد، سودان علماني أفريكاني خالٍ من الإسلام والعروبة) تقودهم في ذلك عقيدة زعيمهم السابق جون قرنق الذي كان يردِّد دائمًا: (العرب مكثوا في الأندلس أكثر من مُكثِهم في السودان، وكما قتلوهم وأخرجوهم من الأندلس سنقتلهم ونخرجهم من السودان)، وذلك رغم أن المسلمين يمثِّلون 18% من سكان الجنوب فيما يمثِّل النصارى 17%، بينما يمثِّل أتباع الديانات الوثنية والإفريقية 65%، وفق إحصاء الكتاب السنوي للتبشير في عام 1981، والذي يصدره مجلس الكنائس العالمي.

الواقع المرّ

ولعل القراءة الدقيقة لتفاصيل الواقع السوداني تكشف الصورة الحقيقية التي يحاول المسئولون الجنوبيون إخفاءها بمؤتمرات لا تتجاوز قراراتها شاشات الفضائيات التي تروِّج لمرحلة ما بعد الانفصال بإبراز الوجه الحضاري والديمقراطي للدويلة التي باتت قاب قوسين أو أدنى!
فما بين التهميش وإثارة الخلافات البينيَّة داخل تجمعات المسلمين، والمماطلة في إرجاع ممتلكات المسلمين الجنوبيين، والعرقلة الإدارية التي يواجهها المسلمون لحل إشكالاتهم وتحقيق مصالِحِهم وحظر ارتداء الحجاب الإسلامي في بعض الولايات والتوسُّع بالأنشطة التنصيرية التي تهدِّد هويَّة المسلمين بسيف العوز الصحي والاقتصادي والتعليمي، كلها أوجاع يعلمُها الجميع، لم يستطع اتفاق السلام 2005 إنهاءها حتى 2010، بل يبدو أنها ستتفاقم عقب استفتاء 2011م.

ممتلكات المسلمين بالجنوب

ولعل قضية ممتلكات المسلمين بالجنوب أبرزُ ما يمكن أن يكشف زيف دعاوى الحكومة الجنوبية، فرغم مرور نحو 5 سنوات على اتفاق السلام الذي نصَّ على استعادة المسلمين بالجنوب ممتلكاتهم المصادَرة من قِبل الجيش الشعبي، إلا أن الصعوبات ما زالت تواجِه تنفيذ تلك القرارات، بل يحرص أفرادٌ في الجهاز التنفيذي الجنوبي على بقاء هذه المؤسسات في قبضتهم لمنفعتهم الخاصة، مما يعني بقاء المؤسسات الإسلامية تحت قبضة حكومة الجنوب، وسط تقارير محاسبية تؤكد أن هناك تجاوزاتٍ ماليةً ضخمة تَمَّ التلاعب فيها خلال المدة التي كانت فيها أوقاف المسلمين تحت إدارة الحركة الشعبية.

تمدُّد كنسي

وعلى النقيض تمامًا تتزايدُ الجهود الكنسية لإتمام السيطرة على مُجريات الأمور في الجنوب السوداني، حيث رصد المبالغ المالية الكبيرة أمام مرشحي الجنوب وحاملي مخطَّط الانفصال خلال الانتخابات في إبريل القادم وخلال الاستفتاء المصيري في 2011.
حيث تقول دراسة للأب الدكتور ج. فانتين، والتي نُشرت بالخرطوم قبل وقت سابق: “إن عدد النصارى بالسودان كان عشرة أشخاص فقط في عام 1911م، زادوا إلى 1500 في عام 1921م، وأصبحوا عشرة آلاف في عام 1931م، ثم ارتفع العدد إلى مائة ألف عام 1951م، ثم إلى 300 ألف عام 1961م، وإلى 480 ألف عام 1964م، وأصبح عددهم 880 ألف في عام 1982م، أما اليوم فقد تجاوزوا أربعة ملايين نسمة من المسيحيين.
أما عدد الكنائس بالسودان، فقد بلغ 1200 كنيسة في عام 1982م، إضافة إلى 60 مركزًا تنصيريًّا, وعدد كبير من المؤسسات التنصيريَّة المتخصِّصة في التعليم والصحة، وبلغت قيمة ممتلكات هذه المؤسسات التنصيرية ما يزيد عن 60 مليون جنيه إسترليني.
هذا التمدُّد اصطلى المسلمون بنارِه كثيرًا، خاصةً في ظلّ انقطاع أي عون إسلامي حقيقي لهم، سواء من الحكومة السودانية لعدم سيطرتها على الأرض، أو المنظمات الإسلامية التي لا تنشط كثيرًا هناك، وذلك مقابل حملات تنصير شرسة ودورات من الاضطهاد الديني والسياسي لهم، ولكنهم استطاعوا الحفاظ على كيانهم وشخصيتهم المسلمة.
ويرجع جزءٌ كبير من معاناة هؤلاء المسلمين للحرب المخططة والمنظمة من بعض الجهات الكنسية ضدهم، فضلًا عن تكاسل مسلمي الشمال والمنظمات الإسلامية عن حلِّ مشاكلِهِم, فقد كان التعليم محصورًا في الجنوب في الإرساليات التبشيرية أثناء الاستعمار، ولذلك انتشرت المسيحية بين المثقفين.
وأثناء الاستعمار وسياسة المناطق المغلقة طُردت أعداد كبيرة من المسلمين من الجنوب, كما تَمَّ طرد علماء مسلمي الجنوب, وتم تحويل العاصمة من مدينة منقلا الاستوائية إلى جوبا عام 1928م، وأُنشئت العاصمة الجديدة على نمط أوروبي كنسي، وتعرَّض المسلمون أيضًا للاضطهاد من جانب المتمردين الذين أحرقوا المساجد كما حدث في قرى (أريات) و(مضول) عام 1981م، فضلًا عن حوادث النهب والسلب والقتل.

مستقبل غامض

ووفقًا لدراسة الباحث السوداني أبو بكر دينق الجاك “أوضاع مسلمي جنوب السودان في ظل اتفاقية السلام” التي قدمها لمؤتمر مركز دراسات الإسلام والعالم المعاصر في 2008 والتقرير الذي أصدره مركز السودان للبحوث والدراسات الاستراتيجية، فقد انتهى الجميع إلى أن مستقبل المسلمين بالجنوب سيزداد سوءًا في حال الانفصال، وتزداد معاناتهم، انطلاقًا من أوضاعهم المتردية خلال الفترة الانتقالية التي يحرص فيها الجنوبيون على تحسين صورتهم ومعاملاتهم لإغرائهم بالوقوف خلف خيار الانفصال، ومع ذلك فأوضاعهم تزداد سوءًا.
بل يكاد يُجمِع الخبراء على أن اتفاقية السلام وضعت إطارًا نظريًّا ممتازًا للتعايش بين الأديان، ولكن هناك شعورًا عامًّا بين المسلمين الجنوبيين بأن الاتفاقية أهملتهم ولم تنصفهم كما أنصفت مسيحيي الشمال، والمقارنة بين المبادئ والحقوق العامة في الاتفاقية والممارسات الحالية على أرض الواقع تؤكد أن ذلك الشعور لم يأتِ من فراغ”.
ولا شك أن ثمة عوامل ذاتيَّة تضعف المسلمين الجنوبيين وعوامل أخرى خارجية تؤثر سلبًا عليهم ومناخًا عامًّا غيرَ مواتٍ بالنسبة لهم, فهناك تعدد في الجمعيات والمنظمات والجماعات ظهر في ظلِّ عدم وجود مرجعية واحدة لقيادة جهود المسلمين، بل وتوجد نزاعات بين المسلمين، بل تجد “تيار المهمشين” يتعاون مع غير المسلمين للاستيلاء على مؤسساتهم خاصة ذات الموارد المالية مثل الزكاة والأوقاف والحج والعمرة.
ومما يُفاقِم الأمور فشل جهود المسلمين في تحقيق الحد الأدنى من الاتفاق بين قياداتهم لإدارة المؤسسات الإسلامية, مما ساعد غير المسلمين على التدخل وزيادة الخلافات القائمة أصلًا.
أما العوامل الخارجية الضاغطة على أوضاع مسلمي الجنوب، فمن أبرزها: وجود تيار انفصالي إقصائي من غير المسلمين يعمل على زعزعة وحدتهم وإبعادهم عن التأثير الاجتماعي انتقامًا منهم، باعتبار أنهم كانوا سندًا لثورة الإنقاذ (الإسلامية)، وأيضًا تدخّل بعض حكومات الولايات في شئونهم, وتبني بعض الولاة للمهمشين ودعمهم بقرارات؛ مما نتج عنه أزمات الزكاة والأوقاف في جوبا والرنك وملكال، وحدث ذلك رغم إصدار الحكومة للقرار رقم 172/2006 والذي نصَّ على عدم إقحام الولايات في أي أعمال تتعلق بالزكاة استفادةً وإدارةً وجمعًا.
وتحدُث كذلك مضايقات للمسلمين تحت لافتة “إعادة التخطيط العمراني”, كمحاولة الاستيلاء على مقرّ منظمة البِرّ وإزالة مسجدها بحجة أنه يقع على الطريق، ونفس الحجة تستخدم الآن لإزالة العديد من المساجد العتيقة في الجنوب، كمسجد مدينة بور ومسجد رمبيك الذي بُني عام 1935م، ويعتبر جزءًا من تاريخ المدينة.
كما تعرَّض بعض المسلمين للاعتقال في رمبيك لمجرد استخدامهم مكبر صوت في الأذان، وتعرض مؤذن في ملكال للاعتداء بآلة حادة, هذا بخلاف منع الأذان في عدد من ولايات الجنوب العشرة وتحويل بعض الخلاوي (أماكن تعليم القرآن) إلى خمارات، فضلًا عن غلق للجامعات والكليات والمصارف الإسلامية وسعي لاستبدال المنهج السوداني العربي بالمناهج الكينية والأوغندية، واعتقال شماليين مسلمين بصورة متكرِّرة.
بجانب منع ارتداء الحجاب بالنسبة للطالبات، وقرار لحكومة الجنوب بمنع وجود بنوك إسلامية بالإقليم تعمل وفقًا للصِّيغ الإسلامية، والتضييق على وجود مكاتب ديوان الزكاة ومماطلتها في السماح لها بالعمل، والحملات عليها، والتي يقال: إن “عصابات مسلحة تقودها ضد الوجود الشمالي, وضد وجود المسلمين في الجنوب في ظل صمت حكومة الجنوب”.
ولعل الأخطر من ذلك هو سكوت حكومة الجنوب وحكومات الولايات عن تلك المضايقات, أو تقديمها لتبريرات ضعيفة لهذا السلوك وعدم محاسبة مرتكبيه، مما يعني إقرارها ضمنًا لما يحدُث.
ويزيد الأمر سوءًا أن المسلمين المنضَوِين في الحركة الشعبية الجنوبية منقسمون بدورهم بين ثلاثة تيارات هي: المهمشون، والمجلس الإسلامي للسودان الجديد، والمجلس الإسلامي العالي للدعوة، وهو ما زاد من الخلافات، بينما تتزايد الضغوط على مسلمي الجنوب السوداني للانضمام للحركة الشعبية كضمانة للحصول على حقوقهم المدنيَّة، وبالطبع سيكون المقابل التصويت لصالح الانفصال في 2011.
ورغم تلك الأوضاع المتفاقمة تظلُّ الخرطوم تراهن على الحلول الديمقراطية وتشجيع الوحدة عبر مشروعات تنموية ومؤتمرات تقارب، لا تحقق المنشود منها لسيطرة أجندات جنوبية بدعم غربي وإسرائيلي لإقامة دولة توقف التمدُّد العروبي والإسلامي عند حدود ولايات السودان الشمالية.
ولعل الدعم العربي والإسلامي في تلك المرحلة من الواجبات الحضارية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من سودان العروبة.

See on-line at: http://alboraq.info/showthread.php?t=154330

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s