Did the Salafiyun in Mauritania Repent?

هل السلفيون في موريتانيا تابوا ؟!!

سؤال من بلاد المغرب ، لعلماء الدين : قرأت خبر اليوم مفاده أن السلفيين في موريتانيا قد تابوا ، فاستغربت هذا كيف يكون ؟

كما وأسأل أننا لو فرضنا تغير رأي شخص في مسائل الخلاف هل يقال إنه تاب ؟! 
وسؤال ثالث ما رأيك فمن يقول إن ثمة فرق بين المعطل لشريعة الله ، والمبدل لشريعة الله ، فالأول لايكفر ، والثاني يكفر بشرط أنه يزعم أنه الشريعة المبدلة هي من الله أيضا ، فهل لهذا أصل ، 
والله يحسن إليك ويرفع قدرك في الدارين آمين 

الحمد لله ، والصلاة والسلام على نبيّنا محمد ، وعلى آله ، وصحبه ، وبعد :
فينبغي أولا أن نعرف بمعنى السلف ، و(السلفيين ) ، وكذلك نبين في نبذة مختصرة ، الدعاة إلى النهج السلفي في موريتانيا ، وآثارهم الحميدة على المسلمين عبر العصور ، فنقول وبالله التوفيق :

سلف هذه الأمة هم الصحابة ، والتابعون ، وتابعوهم ، للحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل : أي الناس خير ؟ فقال : ( قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ) والمقصود من كان في هذه القرون متمسّكا بالكتاب ، والسنة ، والأصول التي أجمع عليه الصحابة ، ولأنَّ عامة من كان في هذه القرون المفضلة ـ بسبب قربهم من نور النبوة ـ على هذا النهج السديد ، والطريق الرشيد ، جاء تفضيلها بوحي العزيز الحميـد.

والسلفيون هم الذين يقتفون هذا النهج ، ويسلكون في هذا الفـج ، ويرجعون إلى منابع الدين الصافي قبل حدوث الفرق الضالة ، والبدع المضلة ، وينتسبون إلى أهل السنة والجماعة ، ويتبرءون من سبل المبتدعة مثل الخوارج ، والروافض ، والمرجئة ، والجبرية ، والقدرية ، والجهمية ، والمعتزلة ، والأشعرية ، وسائر من تنكَّب عن صراط السلف الماضين ، والأئمة المرضيين .

وأبرز صفاتهم جعل العقل تابعا للوحي ، متلقيا منه ، خاضعا له ، فطريقتهم كلَّها دائرة على التمسك بالنصوص ، والإستدلال بها ، ولهذا رفضوا التأويل الكلامي ، والذوق الصوفي ، والتعصُّب المذهبي ، لأنَّهـا تصـدُّ عن الإنقياد التام للوحي الذي هو قطب رحى الدين ، وأصل أصول دين الموحدين ، فالتأويل الكلامي طوَّع النصوص لآراء أهل الكلام المذموم التي بنوها على تخرُّصـات عقولهم المريضة بشبهات الفلاسفة ، فصرفوا نصوص الوحي عن دلالاتها بتأويلات باطلة ، وتصرفات متكلِّفة ، عن كلِّ هدى عاطلة ،

كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمـه الله واصفا حقيقة مذهبهم : ( إنَّ الاستدلال بالسمع مشروط عند المتكلمين بألاَّ يعارضه قاطعٌ عقلي ، فإذا عارضه العقلي وجب تقديمه عليه ) الفرقان ص 91 ، وهذا مصرح به كتبهم كما في أساس الرازي ، ومواقف الإيجي وغيرهـما .

والذوق الصوفي قدَّم ما يجده الصوفي في نفسه من الوساوس ، والوجـد النفساني ، على هداية الوحي الرباني ،

والمتعصبون للمذاهب جعلوا مشهور المذهب كأنـَّه نص معـصوم ، يؤخـرون خلفـه منطوق النص ، والمفهوم .

وقد دأب السلفيون على مـر العصور ، وتعاقـب الدهور ، متمسّكين بالوحي المنزل ، على حماية عقيدة الإسلام الصافية ، ومحاربة البدع الظاهرة ، والخافية ، فهم قلعة الدين ، وحرز الإسلام الحصين ، وجنـود التوحيـد المجاهدين .

وقد كتبت في هذا مقالا قديما بعنوان ( المجددون ) ذكرت فيه في كلِّ عصر أئمة التجديد الماضين على هذا النهج السديد هنـا

هذا .. ولم يخـل صقع من أصقاع المسلمين من هذه الدعوة المباركة ، أما بلاد شمال أفريقيا بأسرها ، فقـد كانت معروفة بتمسِّكها بالطريقة السلفية ، ومتميّزة بذلك ، كما قال ابن خلدون رحمه الله ( كان أهل المغرب بمعزل عن إتباعهم ـ أي الأشاعرة ـ في التأويل ، وأخذ رأيهم فيه ، إقتـداء بالسلف في ترك التأويل ) العبر 6/226

وكانت دولة المرابطين بقيادة الإمام عبدالله بن ياسين رحمه الله ، على هذا النهج السلفي ، حتى عاث فيها ابن تومرت السفاح فساداً بإدخال مذاهب المتكلمين الرديّة ، مع سائر بدعه .

لكن لم يلـبث الإمام ناصر الدين أبو بكر الشمشوي في القرن الحادي عشر الهجري ، حتى أعاد إلى النهج السلفي علوَّه ، وقوَّته ، في بلاد المغترب ، وأعلن الجهاد لنشر الإسلام في غرب أفريقيا ، وأرسل الجيوش لذلك ، وجاهد على النهج السلفي الخالص ، لمحو آثار الشرك ، والخرافة .

ثم قامت بعد ذلك بمـدة ، دعـوة الشيخ العلامة المجيدري بن حبيب الله كمال الدين ، المتوفى عام 1204هـ ، وهي دعوة سنية سلفية مباركة في موريتانيا ، وكان المجيدري رحمه الله أحـد أربعة هم أكابر علماء شنقيط بأسرها .

وكان من علماء هذه الدعوة المجيدرية المباركة ، العلامة المأمون بن محمد ، الذي رد الردود السلفية القوية على المختار بن بون لما عارض العلامة المجيدري في مسائل العقيدة ،

وكذلك ممـن تأثروا بالعلامة المجيدري ، تلميذه العلامة مولود بن أحمد الجواد .
ثم جاء الإمام الأوحد العلامة الجهبذ الشيخ سيدي باب ، فأظهر الدعوة إلى الطريقة السلفية بقوة ، ونافح عنها بعلمه الغزير ، وفهم العالم النحريـر ، ومن تلاميذه الذين حملوا دعوته من بعده ، الشيخ العلامة محمد بن أبي مدين من أبرز علماء السلفيين في عصره في موريتـانيا بل في المغرب العربي بأسـره ، والعلامة عبد الودود بن عبد الملك رحمه الله ، الشيخ محمد المهابة بين سيدي محمد ، وهو الذي زكى كتابه الشيخ بداه بن البصيري في مسألة الصفات ووافقه عليها ، كما زكاه الذي محمد الشيباني النجمري وقال : ( إنَّ لايختلف عما قاله شيخ الإسلام بن تيمية ).

وأيضا من علماء هذه الدعوة المتأثرين بآثار الشيخ سيدي باب ، الشيخ المختار بن حامد ، وسيدي المختار بن عبدالمالك ، ومحمد الشيباني .

ثم جاء الإمام العلامة محمد الأمين الشنقيطي صاحب الأضواء ، فدعا إلى مثل ما دعا إليه من سبقه من أئمة الدعوة السلفية في موريتانيا ، ومن تلاميذه الشيخ أحمد بن احمد المختار ، ومحمد عبدالله بن الصديق ، ومحمد المختار بن سيدي محمد ، ومحمد بن ماديك ، ومحمد الخضر الناجي ، ومحمد سيدي الحبيب ، والشيخ الحسين بن عبد الرحمن ، ومحمد الأمين بن الحسين ، ومحمد عمر بن حويه ، وسيد محمد ساداتي ، والشيخ التلميد بن محمود ، ومحفوظ بن سيدات ، وغيرهـم كثير .

والشيخ العلامة محمد بن البصيري المشهور بـ ( بداه ) ، أو محمد بداه ، وهو صاحب الكتاب المشهور ( تنبيه الخلف الحاضر على أن تفويض السلف لاينافي الإجراء على الظواهر ) ، إذْ بيـَّن فيه أنَّ التفويض هو تفويض الكيفية ، وله كتاب جليل القدر بعنوان ( الدر النضيد في علم الكلام وحقيقة التوحيد ) وقد أفحم فيه المتكلمين أيمُّـا إفحـام ، وألجمهم أيمـا إلجـام .، وكتاب ( أسنى المسالك في أنَّ من عمل بالراجح ما خرج عن مذهب الإمام مالك ) ورد فيه على أهل التعصـُّب المذموم ، وله كتاب ( الكتائب الشرعية في صد هجوم القوانين الوضعية ) وله مؤلفات أخرى كثيرة جدا ، وكلها نافعة مباركة ، وهذا الإمام هو حقا من أكابر أئمة الدين ، وهـو من مجددي العصر ، وكان أمَّاراً بالمعروف ، نهـَّاءً من المنكر ، ولكن أكثر الناس لايعلمون

وهو الذي رثوتـه بهذه القصيدة :
مضى فالعلْم منتحبٌ يَهيــمُ ** وكـلُّ المسْلمينَ بهمْ وُجـُـومُ
ومن لمْ يبكِ من أسَفٍ عليهِ ** فلا نُعْمـى عليهِ ، ولا كريــمُ
كــأنَّ تردَّدَ الأفْلاكِ نَعْـيُّ ** تـُردِّدُه ، بــها حزنٌ إليــمُ
تطيفُ بهِ الكواكبُ نائحاتٍ ** وذلكَ أنَّ كوْكَبـَـهُ الزعيــمُ
وقدْ بكت النُّجوم لهُ وناحتْ ** فقـدْ كانتْ به تُهدَى النجـومُ
كذا الجوزاءُ تذْكره فتُبـْدي ** إلى الدبران ما يُبـدِي الكليـمُ
هو المثَـَلُ الكبير من المعالي ** هو الأدبُ الرفيـعُ ، هو العلـومُ
هو الأسَدُ الهزبرُ فلا يُبـَالي ** يقولُ الحقَّ ، إنْ ضـَجَّ الغَشـُومُ
وأطلقَ منْ مَعارفـِهِ عُلوُمــاً ** بها في النَّاس تنْـدهشُ الفهُـومُ
علا فوقَ المعارفِ وهْيَ شمسٌ ** ففوْقَ الشمسِ منزلُه العظيــمُ
سأبكيـِهِ ومـا أُبقـي بعيـْنٍ ** سـوى دمـعٍ على دمعٍ يدومُ

وقد أثـمرت دعوته عدة مدارس سلفية تنشر الدعوة السلفية في موريتانيا ، وإنتشـر السلفيون يدعـون إلى الله تعالى ، بالدعوة الإسلامية الصافية النقية من كلِّ شوائب البدع ، والخرافات ، وآراء الفرق الضالة ، حتى نشأ فيها آلاف من العلـماء ، و الدعاة ، والمصلحين ، والمجاهدين ، ولازالوا إلى يومنا هذا هم من خيرة المجتمع الموريتاني المجبول على التمسك بالدين . 
 

فهذه نبذة مختصرة عن السلفيين في موريتانيــا ، وهم على نهجهم ماضون ، وبدعوتهم المباركة سائرون ، ولهم في الناس أعطر سيرة ، وأجمـل سريرة ، بفضل الله تعالى ، ومعلوم أنّ السلفيين هم خير المجاهدين في بلاد الإسلام ، ومن قاموا بوجه الحملة الصليبية ضد الإسلام أحسن قيام ، في أفغانسـتان ، والعراق ، وفلسطين ، والصومال ، وباكستـان ، وغيرها ، فلله درهم ، وعليه شكرهم .
،
 

وبه تعلم ما في نشـر خبـر بصيغة ( توبة السلفيين في موريتانيا ) ـ إن كان المقصود به تراجع مجموعة من الشباب عن رأي ما ـ من التجنِّي ، والظلم ، والتلاعب بالألفاظ ، بقصد نصرة طرف على طرف ، وإظهار السلفيين بصورة مشينة ، لحاجة في نفس ناشر الخبـر ، جنحت إلى التعصـب ، نسأل الله أن يجمع المسلمين على الحبِّ ، ويؤلـف بين قلوبهـم .
 

أما سؤال هل يقال لمن رجع عن إجتهاده في مسائل الإجتـهاد أنـه تاب ، وذكرت أنت لذلك مثلا : مراجعة نهج التغييـر للسلطة غير الشرعية ، فالجواب أنَّ هذا أيضا من التلاعب في الألفاظ ، الذي قـد تستعمله السلطات الطاغيـة لتزرع في نفوس الناس أنَّ مجرد التفكير في تغييرها خطيئة تجـب التوبة منها !
وإذا كان الفقهاء قد اختلفوا في إجتهادهـم في الخروج على الحاكم الجائر ، وكان معلومـا أنَّ من تغير رأيـه في مسائل الإجتـهاد ، لايقال إنه تـاب ! فكيف بمن تغيـر إجتهاده في وسيلة التغييـر لسلطة لاتحكـم بالشريعة ، فهي سلطة غير شرعية ، إذ أجمعـوا على أنّ شرعية الحاكم ، مرتبطة بحاكمية الشريعة ، فلا حاكمٌ شرعي إلاَّ من حكـم بالشريعة ، ونصوص الكتاب ، والسنة الدالة على ذلك قطعية الدلالة ، والثبوت ، لامجال لتأويلها.
 

وأنقل لك ما ذكرته سابقا في مسألة الخروج على الحاكم الجائر ، فقد ذكرت نزاع العلماء في حكمه ، فقلـت ما يلي :
 

( مذهب من يقول من السلف ، والخلف ، بوجوب خلع الحاكم الجائر ، ولو بقوّة السلاح ، إن لزم الأمــر :

قالوا : ذلك أن الله تعالى أمر بإنكار الظلم وإزالته ، وشرع ذلك أولاً باليد ، ولأنّ الجور سبب لفساد البلاد والعباد ، وفي دفعه تحقيق الصلاح ، والمصالح العامّة التي ماجاءت الشريعة إلاّ لتوفيرها للناس ، وما مبنى هذه الشريعة ـ أصـلا ـ إلاّ على هذا الأساس .


قال الإمام ابن حزم رحمه الله : ( إنّ سل السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب ، إذا لم يمكن دفع المنكر إلاّ بذلك ) الفصل في الملل والأهواء والنحل 4/171

 


وقال رحمه الله : ( وهذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وكلُّ من معه من الصحابة ، وقول أم المؤمنين عائشة رضي اللهعنها ، وطلحة ، والزبير ، وكلُّ من كان معهم من الصحابة ، وقول معاوية ، وعمرو ، والنعمان بن بشير ، وغيرهم ، ممن معهم من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين ، وهو قول كلّ من قام على الفاسق الحجاج ، ومن والاه من الصحابة رضي الله عن جميعهم ، كأنس بن مالك ، وكلّ من

كان ممن ذكرنا من أفاضل التابعين ) . 



ثم قال ( ثم من بعد هؤلاء من تابعي التابعين ، ومن بعدهم كعبدالله بن عبدالعزيز بن عبدالله بن عمر ، وكعبدالله بن عمر، ومحمد بن عجلان ، ومن خرج مع محمد بن عبدالله بن الحسن ، وهاشم بن بشر ، ومطر الوراق ، ومن خرج مع إبراهيم بن عبدالله ، وهو الذي تدل عليه أقوال الفقهاء ، كأبي حنيفة ، والحسن بن حي ، وشريك ، ومالك ، والشافعي ، وداود وأصحابهم ، فإنّ كل من ذكرنا من قديم ، أو حديث ، إما ناطق بذلك في فتواه ، وإما فاعل لذلك بسل سيفه في إنكار ما رأوه منكـرا ) الفصل 4/171ـ172

 


وقال أصحاب هذا المذهب :

 


وقد أمرالله تعالى بقتال الفئة الباغية قائلا : ( فَقَاتِلوُا التّيِ تَبْغِي حَتىّ تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ ) وقد علق الحكم على وصف البغي ، وهو دليل بيـّن على أن السلطة إنْ تحقق فيها هذا الوصف ، يجــب أن تقاتل حتى تفيء إلى أمر الله .

 


فإن قيل : إنَّ الآية في طائفتين اقتتلتا باغيةً إحداهما على الأخرى ، وليست في قتال السلطة الباغية ؟!

 


فالجواب : إنّ عموم الآية يتناول سلطة البغي ، المنحاز إليها طائفة البغي ، الظالمة لبقية المسلمين ، فهي طائفة بلا ريب ، وهي باغية بلا شك ، فوجب الانقياد للأمر الإلهي بقتالها ، عملا بظاهر القـــــرآن.

 


قالوا : ولئن دل قوله تعالى : ( فإنْ بَغَتْ إِحْداهما عَلىَ الأُخْرَى فقَاتِلُوا التي تبْغي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ ) على وجوب قتال الباغين من غير السلطـة إلى غاية الرجوع إلى حكم الشريعة ، فما باله لايدل على قتال الباغين من ذوي السلطة إلى غاية هي الرجوع إلى الشريعـة ؟!! والحال أن بغي السلطة أشد ضررا ، وأعظم خطرا ، وأكثر فسادا ؟! إنَّ هذا لعجـب !!

 


وقالوا : وقد عمل من ذكرنا من السلف بهذه الآيــة ، وبالنصوص القرآنية التي تنفي العهد عن الظالمين قال تعالى: (قالَ إنيّ جاعِلُك للنّاسِ إِمَاما قاَل لاَيَنالُ عَهْدِي الظّالميِن

) . 



وبالنصوص النبويّة التي أمرت بالأخذ على يد الظالمين ، فمن ذلك :

 


حديث أبي سعيد الخدري قال صلى الله عليه وسلم ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) رواهمسلم

 


وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه تلا قوله تعالى ( يا أيها الناس عليكم أنفسكم لايضركم من ضل إذا اهتديتم ) فقال : أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية فتضعونها في غير موضعها وإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قال : إنّ الناس إذارأوا المنكر ولا يغيرونه ، أوشك أن يعمهم بعقابه ) وقد ورد مرفوعا : ( إنَّ الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه ) خرجه احمد وأبو داود والنسائي

 


وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم : ( ما من نبي بعثه الله قبلي إلا كان له من أمته حواريون ، وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف ، يقولون مالا يفعلون ، ويفعلون مالا يؤمرون ، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبّة خردل ) رواه مسلم 

قالوا : وما كان النبي صلى الله عليه وسلم ليتخوف على أمته الأئمة المضلين ، ثم لاتكون شريعته داعية إلى إزالة ما يخاف على أمّته منه !
ذلك أنه صلى الله عليه وسلم قال ( إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين ) خرجه الترمذي ، وقال ( وإنما أتخوف على أمتي أئمة مضلين ) خرجه أحمد أبو داود وابن ماجـــة ، وقال ( أشد الناس عذابا يوم القيامة : رجل قتله نبيُّ ، أو قتل نبينا ، وإمام ضلاله .. الحديث ) خرجه أحمد

 


قالوا : ولهذا قال الصديق رضي الله عنه ـ كما في السير ـ في أول خطبة سياسية في الإسلام مبيّنا سنة هذه الأمة في تحقيق العدل ، ومحاربة الظلم : ( إن أحسنت فأعينوني ، وإن أسأت فقوموني ) ..قال ابن كثير : إسناده صحيح

 


ولهذا قال عمر رضي الله عنه لكعب رضي الله عنه : إني سائلك عن أمـرٍ فلا تكتمني ، قال: والله لا أكتمك شيئا أعلمه ، قال ، أخوف شيء تخوفه على أمّة محمّد صلى الله عليه وسلم ؟ قال : أئمة مضلين ، قال عمر : صدقت ، قد أسر ذلك إلي ، وأعلمنيه رسول الله صلى

الله عليه وسلم . خرجه أحمد 


 

قالوا : وهذا مذهب سيد الفقهاء أبي حنيفة النعمان رحمه الله ، قال أبو بكر الجصاص رحمه الله في أحكام القرآن : ( وكان مذهبه رحمه الله مشهورا في قتال الظلمة وأئمة الجور) وقال ( وقضيته في أمر زيد بن علي مشهورة ، وفي حمله المال إليه ، وفتياه الناس سراً في وجوب نصرته ، والقتال معه ، وكذلك أمره محمد وإبراهيم ابني عبدالله بن حسـن ) .
 

قالوا : وهذا نجم العلماء مالك بن أنس رحمه الله ، قد أفتى الناس بمبايعة محمد بن عبدالله بن حسن عندما خلــع الخليفة المنصور ، حتى قال الناس لمالك : في أعناقنا بيعة للمنصور ، قال : إنما كنتم مكرهين ، وليس لمكره بيعة ، فبايع الناس محمد بن عبدالله بن حسن عملا بفتوى الإمام مالك .. ذكــره ابن كثير في البداية والنهايـة 10/84

وقد قالت المالكية : ( إنما يقاتل مع الإمام العدل ، سواء كان الأول ، أو الخارج
عليه ، فإن لم يكونا عدلين ، فأمسك عنهما إلاّ أن تراد بنفسك ، أو مالك ، أو ظلم المسلمين فادفع ذلك ) أحكام القرآن لابن العربي .

 

وقال ابن العربي : ( وقد روى ابن القاسم عن مالك : إذا خرج على الإمام العدل ، خارج وجب الدفع عنه ، مثل عمر بن عبد العزيز ، فأما غيره فدعه ، ينتقم الله من ظالم بمثله ، ثم ينتقم الله من كليهما ، قال الله تعالى ” فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد ، فجاسوا خلال الديار ، وكان وعدا مفعولا ” ، قال مالك : إذا بويع للإمام فقام عليه إخوانه ، قوتلوا إن كان الأول عدلا ، فأما هؤلاء فلا بيعة لهم ، إذا كان بويع لهم على الخوف ) أحكام القرآن
 

قالوا وهذا مذهب الإمام أحمد بن حنبل في رواية ، فقد ذكر أبن أبي يعلى في ذيل طبقات الحنابلة عنه ( من دعا منهم إلى بدعة فلا تجيبوه ولا كرامــه ، وإن قدرتم على خلعه فافعلوا ) طبقات الحنابلة 2/305
قالوا : وإن كان المشهور من مذهبه ، تحريم خلع الإمام الجائر ، غير أنه يمكن التوفيق بأن قوله بالتحريم يحمل على عدم القدرة

لأنه حينئذ فتترجح المفسدة ، ويبقى الظلم بل قد يزداد. 


 

ولهذا ذهب بعض محققي الحنابلة إلى القول بخلع الجائر ، منهم ابن رزين ، وابن عقيل ، وابن الجوزي ، رحمهم الله ، كما ذكر ذلك المرداوي.
 

إنتهى المقصود نقله من مقال سابق ،
 

وقـد قال الإمام الجويني بعدما ذكر عدم إنعزال الإمام بالفسق : ( وهذا في نادر الفسقِ , فأما إذا تواصل منه العصيان , وفشا منه العدوان ، وظهرَ الفساد , وزال السداد , وتعطلتِ الحقوق , وارتفعت الصيانة , ووضحتالخيانة , فلا بدّ من استدراك هذا الأمر المتفاقم , فإنْ أمكن كفُّ يده ، وتولية غيره بالصفات المعتبرة , فالبدار البدار , وإن لم يمكن ذلك لاستظهاره بالشوكة إلاَّ بإراقة الدماء , ومصادمة الأهوال , فالوجه أن يُقاس ما الناس مندفعون إليه , مُبْتَلون به بما يعرض وقوعه , فإن كان الواقع الناجز أكثر مما يُتوقَّع , فيجبُ احتمالُ المتوقّع , وإلا فلا يَسُوغ التشاغل بالدّفع ) أ.هـ
 

وقد رجحت في المقال المعزوُّ إليه ، عدم جواز الخروج على الحاكم الجائـر بالقوَّة ، بل يجب إستعمال وسائل أخرى ـ كما ذكر الإمام الجويني ـ كما بيَّنت في فتوى أخرى أنَّ محاولات تغييـر النظم الحاكم بغير الشريعـة بالسلاح ـ في مشهـدنا الحالي ـ نهج لايؤدي إلى هدف التغييـر المنشـود ، لفقدانه شروط التغييـر إلى الأحسـن ، بل يستفيد منه النظام للإمعان في فساده ، ودعوت إلى العدول عنه ، إلاَّ أن يستكمل مشروع التغييـر عوامل نجاحـه .
 

أما سؤالك عن التفريق بين تعطيل الحاكـم للشريعة ، وتبديله الشريعة ، وأنَّ الحاكم المبدِّل تشمله نصوص الحكم عليه بالـردِّة ، والمعطـّل ليس كذلك ، فتفريق متكـلَّف وغريـب جداً ، ليس عليه دليل من كتاب ، ولا سنة ، ولا إجماع ، ولاإعتبار صحيح ، وهو مع ذلك كلامٌ متناقض ، فالسلطة المعطّلـة للشريعة الإسلامية ، لابـدّ لها من شريعة أخرى تحكم بها ، فتكون مبدّلة ولابـد ، وحينئذ تتناولها النصوص التي بيَّنـت كفر الحاكم بغير شريعة الله تعالى ، فلا تعطيل إلاّ بتبديل ، ولاتبديل إلاَّ بتعطيل ، وهما متلازمان في مسألة الحكم .
 

أما سؤالك عن قـول القائـل : إنَّ المبـدّل للشريعة ، لايُسمى مبدلاً إلاَّ إذا زعم أنَّ ما حكم به من غير الشريعة ، هو من الله تعالـى ، فإنّ هذا تحكُّـم محـض ، لا برهان عليه ، ومعلـوم أنَّ جعل القوانين الوضعية الأوربية التي وضعها الكفرة ، الزناة ، الفجرة ، الملحدون ، الصادُّون عن دين الله ، بدل شريعة الله تعالى المطهَّرة ، المنزلة على سيد البـررة ، يُسمـَّى ( تبديـلا ) لغـةً ، فالتبديل هو جعل الشيء مكان الشيء ، أو تغييره مطلـقا.
 

ومعلوم أنَّ من جاء بأحكام الكفرة ، وقوانين الفجرة ، فحكم بها بين المسلمين ، ونزع القرآن ، والسنة ، وحارب تحكيمهما في أمة المؤمنين ، أنـَّه أشـدُّ جرما ، و أشنع خبـثا ، ممن زعم أنه يحكم بما أنزل الله ، وهو لايفعل ، لأنَّ الأوَّل جميع بين الحكم بغير الشريعة ، وتعظيم قوانين الطاغـوت ، وإخضاع المسلمين لدين الكفَّـار ، ذلك أنَّ القوانين الوضعيـة التي تحكم على السلوك الإنساني فتحرّم ، وتحلّل ، وتبيح ، وتجـرّم ، هي دين الكـفار الذي به يدينون في هذا العصـر ، وعقيدتهم التي إليها يرجعـون ، وهذا هو أعظـم صـور الموالاة لأعداء الله تعالى .
 

وكلاهما يتناوله قوله تعالى : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا ) فنعمة الله هي رسالة محمِّد صلى الله عليه وسلم الهادية إلى كلّ خير ، والكفر هو كلّ ما يخالفها ، وكلُّ ما يخالفها هـو الجاهلية ، كما قال تعالى ( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) وقد ذكر الله تعالى ، هذه الآية الكريمة بعدما جمع أوصاف الذم للحاكم بغير الشريعة ، ثـم سمَّى كلَّ ما سواها ، حكمـاً بالجاهلية ، وقـد جعله تبديلا ، وحينئذ فلا يكون الحاكم بالجاهلية ، سلطةً شرعيَّـة لأمـّة الإسلام ، إذ لايوجد تناقض أكبر من التناقض بين الحكم بالإسلام ، والحكم بالجاهلية ، فكيف يكون الحاكم بالجاهلية ، حاكما شرعيا على المسلمين ؟!!
 

،
هذا .. ونسأل الله تعالى أن يهدي الجميع لما يحبه ويرضاه ، وأن يسلك بهذه الأمة أمراً رشداً ، يعـزُّ الله فيه أهل طاعته ، ويحكم فيه بشريعته ، ويذل فيه أهل معصيته ، وتُقصى قوانين الطاغـوت من بلاد المسلمين .. آمين
 

والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا .
 

 

__________________
قال تعالى (يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ(39) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ(40) سورة غافر)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

جواب الشيخ حامد العلي 
 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s